محمد أبو زهرة

1367

زهرة التفاسير

كلمة قائمة بمعنى مستقيمة على العدل والحق ، مأخوذة من قولهم أقمت العود فقام واستقام . وقد ذكر سبحانه وتعالى في هذا الجزء من الآية الكريمة وصفين اثنين : أنهم يتلون آيات اللّه ، والثاني أنهم يسجدون ، ومعنى يسجدون أي يخضعون ويتطامنون للحق ولا يجحدون ، ويتجهون إلى ربهم . يرجون رضاه ، ولا يستكبرون عن نداء الحق إذا دعوا ، فكنى بالسجود عن الخضوع المطلق الذي يعد السجود مظهره ، ويصح أن يراد به السجود الذي يقع في صلاة المسلمين على ما سنبين ، وقد ذكر ذلك الوصف مصدّرا ب « هم » إذ يقول : وهم يسجدون ، فلم يقل ويسجدون ؛ للإشارة إلى أن الخضوع والإذعان للحق شأن من شؤونهم ، وليس حالا تعرض لهم ، إذ إن ذكر الضمير فيه تقوية الإسناد وتوثيق لدوامه واستمراره . وما هو الكتاب الذي يتلونه كما أشار الوصف الأول ؟ إن الجواب عن هذا السؤال يستدعى بيان من هذه الطائفة التي استحقت تلك الأوصاف الجليلة التي وصفها اللّه تعالى بها ، ونقول في ذلك : إن العلماء قد اختلفوا في ذلك على رأيين : أحدهما : أنها طائفة من أهل الكتاب آمنوا باللّه - تعالى - وبرسوله محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وأذعنوا للحق الذي جاء به ودعا إليه ، ومن هؤلاء عبد اللّه بن سلام وطائفة من اليهود الذين كانوا يقيمون مع النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وهو ينطبق على النصارى وغيرهم الذين يهتدون بهدى الإسلام ، ويرتضونه عن بيّنة دينا لهم ، وقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم فيهم وفي أمثالهم ممن يكونون في قابل الأيام : « ثلاثة لهم أجران : رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد ، والعبد المملوك إذا أدى حق اللّه وحق مواليه ، ورجل كانت عنده أمة فأدبها وأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها فله أجران » « 1 » وعلى هذا الرأي يكون تفسير قائمة بمعنى موجودة ؛ لأنها قد وجدت حقيقة ، وارتضت الإسلام دينا .

--> ( 1 ) متفق عليه ، وقد سبق تخريجه .